أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

431

شرح مقامات الحريري

المقامة الثانية والثلاثون وتعرف بالطيبيّة حكى الحارث بن همام ، قال : أجمعت حين قضيت مناسك الحجّ ، وأقمت وظائف العجّ والثّجّ ، أن أقصد طيبة ، مع رفقة من بني شيبة ؛ لأزور قبر المصطفى ، وأخرج من قبيل من حجّ وجفا ، فأرجف بأنّ المسالك شاغرة ، وعرب الحرمين متشاجرة ، فحرت بين إشفاق يثبّطني ، وأشواق تنشّطني ؛ إلى أن ألقي في روعي الاستسلام ، وتغليب زيارة قبره عليه السّلام فأعتمت القعدة ، وأعددت العدّة ، وسرت والرّفقة ، لا نلوي على عرجة ، ولأنني في تأويب ولا دلجة ، حتّى وافينا بني حرب ، وقد آبوا من حرب ، فأزمعنا أن نقضّي ظلّ اليوم ، في حلّة القوم . * * * أجمعت : عزمت عليه كأنه جمع نفسه له . ومناسك الحج : متعبّداته . وظائف : لوازم ، والوظيفة : النصيب الذي يلزمك عزمه . العجّ : رفع الصوت بالتّلبية ، وكانوا في الجاهلية إذا أتمّوا حجّهم يتفاخرون بمآثر آبائهم ، فأمروا بالثناء على اللّه تعالى . والثّجّ : إراقة الدماء ، وعجّ يعجّ عجّا وعجيجا : رفع صوته ، وثججت الدمع ، أثجّه : أسلته ، وهو لازم ومتعدّ . وسئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن أفضل الأعمال فقال : « العجّ والثّج » « 1 » . طيبة : مدينة النبي صلّى اللّه عليه وسلم . بنو شيبة : حجبة البيت ، وشيبة هو عبد المطلب ، وسمّي بذلك ، لأنه نشأ بالمدينة عند أخواله صغيرا ، فلما مات أبوه هاشم ذهب إليه المطلب ، فأتى به فرآه معه أهل مكة فقالوا : ما هو إلا عبد اشتراه ، فغلب عليه عبد المطلب . جفا أراد به قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من حجّ البيت ولم يزرني ، فقد جفاني ، ومن زارني بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من جاءني زائرا لا يهمّه إلا زيارتي كان حقّا على اللّه أن

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الحج باب 14 ، وتفسير سورة 3 ، باب 6 ، وابن ماجة في المناسك باب 6 ، 16 ، والدارمي في المناسك باب 8 .